ابن الجوزي
10
لقط المنافع في علم الطب
وإني لأذكر لك بعض أحوالي لعلك تنظر إلى اجتهادي ، وتسأل الموفق لي ، فإن أكثر الإنعام عليّ لم يكن بكسبي ، وإنما هو من تدبير اللطيف بي ، فإني أذكر نفسي ولي همة عالية ، وأنا في المكتب ابن ست سنين ، وأنا قرين الصبيان الكبار قد رزقت عقلا وافرا في الصغر يزيد على عقل الشيوخ ، فما أذكر أني لعبت في طريق مع الصبيان قط ، ولا ضحكت ضحكا خارجا « 1 » حتى إني كنت ولي سبع سنين أو نحوها أحضر رحبة الجامع ، فلا أتخير حلقة مشعبذ ، بل أطلب المحدث فيتحدث بالسير الطويل ، فأحفظ جميع ما أسمعه ، وأذهب إلى البيت فأكتبه . ولقد وفق لي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر - رحمه اللّه - وكان يحملني إلى الشيوخ ، فأسمعني « المسند » « 2 » وغيره من الكتب الكبار ، وأنا لا أعلم ما يراد مني ، وضبط لي مسموعاتي إلى أن بلغت فناولني ثبتها « 3 » ، ولازمته إلى أن توفي - رحمه اللّه - فنلت به معرفة الحديث والنّقل . ولقد كان الصبيان ينزلون إلى دجلة ، ويتفرّجون على الجسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءا وأقعد حجزة « 4 » من الناس إلى جانب الرّقة « 5 » فأتشاغل بالعلم .
--> ( 1 ) أي : خارجا عن حدود الأدب . ( 2 ) مسند الإمام أحمد . ( 3 ) مجموع فيه مسموعاته ويسمى المعجم ، وعند المغاربة : الفهرس ، وعند الأندلسيين : البرنامج . ( 4 ) أي بينه وبين الناس حد فاصل . اللسان ( حجز ) . ( 5 ) الرقة : منطقة في الجانب الغربي من بغداد مقابل دار الخلافة ، سميت الرقة ؛ لأنها كانت تشكل لسانا يمتد إلى النهر ، محلها الآن باب السيف .